النطق السامي والخطاب الأميري لحضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله ورعاه في افتتاح دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الخامس عشر لمجلس الأمة – الكويت - يوم الثلاثاء الموافق 24 أكتوبر 2017 م.



بسم الله الرحمن الرحيم


(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)
صدق الله العظيم


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين...
إخواني وأبنائي رئيس وأعضاء مجلس الأمة المحترمين،،،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

أحيكم بتحية من عند الله طيبة ومباركة، ويسرني أن نلتقي اليوم لافتتاح دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الخامس عشر لمجلس الأمة، ضارعاً إلى الله العلي القدير أن يلهمنا جميعاً السداد ويهدينا سواء السبيل، ويهيئ لنا من أمرنا رشدا، ويوفقنا لأداء واجبنا لرفعة الوطن وخير المواطنين.

الأخوة رئيس وأعضاء مجلس الأمة المحترمين،،،

إن مسيرتنا الوطنية التي تحث الخطى سعياً إلى تحقيق التنمية المستدامة الشاملة تهددها أخطار خارجية جسيمة، وتعترضها تحديات داخلية صعبة.

أما الأخطار الخارجية فهي الحروب الأهلية، والنزاعات المسلحة، والصراعات الطائفية التي تدور رحاها غير بعيد عنا، بل أصابنا بعض آثارها.

ونحن في الكويت...هذا البلد الآمن... نحمد الله ونشكره على نعمة الأمن والأمان والاستقرار والرخاء التي ننعم بها، والتي يتوجب علينا دائماً استذكارها والمحافظة عليها، وعلينا أن لا نغفل لحظة واحدة عن النيران المشتعلة حولنا، والمخاطر التي تهدد مسيرتنا، والكوارث التي تطرق أبوابنا.

واجبنا جميعاً... وعلى وجه الخصوص أنتم في مجلس الأمة...العمل على حماية وطننا من مخاطر الفتنة الطائفية، وتحصين مجتمعنا ضد هذا الوباء الذي يفتك بالشعوب حولنا... واجبنا جميعاً الحرص على وحدتنـــا الوطنية وصيانتها وتعزيزها، فهي عمــــاد الجبهة الداخلية، ودرعهـــا الواقي، وسورها الحامي.

الأخوة رئيس وأعضاء المجلس المحترمين،،،

إن الأمن هو الأساس الذي تعتمد عليه وتنتظم حوله سائر الاهتمامات والخدمات، وإذا انعدم الأمن تتعطل الحياة العامة.

فليكن أمن الكويت واستقرارها هو الهم الأول والشغل الشاغل لنا جميعاً... ولتكن وحدتنا الوطنية غايتنا الأولى وهدفنا الأعلى.

قد تختلف مشاربنا، وتتنوع أصولنا، وتتعدد طوائفنا، ولكن الوطن والولاء والانتماء واحد هو الكويت.

وأما التحدي الثاني الذي يعترض مسيرتنا الوطنية... فهو ضرورة بل حتمية إصلاح اقتصادنا الوطني، الذي يعاني اختلالات هيكلية صارخة... أولها الاعتماد على مورد طبيعي وحيد وناضب هو النفط، والأعباء والتداعيات التي يفرضها سوق النفط وتقلباته ارتفاعا وانخفاضا، رواجا وكسادا.

ولذا فإن برنامج الإصلاح الاقتصادي يجب أن يحقق تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وينصرف إلى تطوير العنصر البشري الكويتي تعليماً وتدريباً وتأهيلاً، ويستهدف ترشيدا حقيقيا جادا للانفاق العام، ومعالجة مواطن الهدر فيه، وتحسين كفاءة الأداء الحكومي لبناء مستقبل جديد واعد لكويتنا التي نتمنى، وأن نتعاون كلنا على بنائها وترسيخها ورفع قواعدها.

وبالنظر إلى هذه التطورات والمستجدات الاقتصادية، فإنه من المستغرب بل المستهجن أن نشهد طروحات ومشاريع لا تخدم جهود إصلاح الاقتصاد الوطني، بل تعارضها وتوهنها وتضر بمصالح البلاد.

إخواني وأبنائي،،،

أمام تطورات العصر وتحدياته، وإزاء ما أستشعره من قلق المواطنين تجــــاه حاضر وطنهم ومستقبله... أصبح تصويب مسار العمل البرلماني استحقاقاً وطنياً لا يحتمل التأجيل، وعليكم مسؤولية المبادرة لإجراء هذا التصويت من أجل صيانة وتعزيز أهم مكتسباتنا الوطنية.

لقد أكدت بأنني من يحمي الدستور، ولن أسمح بالمساس به، فهو الضمان الأساسي بعد الله لأمن الوطن واستقراره، فالتزامنا بالدستور ثابت، وإيماننا بالنهج الديمقراطي راسخ، وأنني على يقين بأنكم جميعا مجتهدون وحريصون على مصلحة وطنكم... ولكنكم بما تحملونه من أمانة المسؤولية وثقة أهل الكويت الكرام مطالبون بوقفة تأمل وتقويم لمسيرتنا الديمقراطية، ومعالجة سلبياتها ومظــاهر الإنحراف فيها، بما انطوت عليه من هدر للجهد والوقت، وتبديد للامكانيــــات والطـــاقات، وبما حملته من بذور الفتنة والشقاق.

عليكم أن تتبصروا خطواتكم قبل أن تضل الرؤية، وتغيب الوجهة، وترتبك معايير الحق والباطل وتضيع المصلحة العامة.

نقولها بكل إيمان وإصرار... نعم للمراقبة المسؤولة... نعم للمساءلة الموضوعية... نعم للمحاسبة الجادة... التي يحكمها الدستور والقانون وتفرضها المصلحة الوطنية، كما آن للممارسة النيابية أن تنضج، وآن للجميع أن يدركوا خطورة الأوضاع الراهنة سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وأن ينعكس هذا الوعي على ممارساتهم قولا وعملا.

الاخوة رئيس وأعضاء المجلس المحترمين،،،

خلافا لآمالنا وتمنياتنا... فان الازمة الخليجية تحمل في جنباتها احتمالات التطور، وعلينا جميعاً ان نكون على وعي كامل بمخاطر التصعيد، بما يمثله من دعوة صريحة لتدخلات وصراعات اقليمية ودولية لها نتائج بالغة الضرر والدمار على أمن دول الخليج وشعوبها.

ولذلك يجب ان يعلم الجميع بأن وساطة الكويت الواعية لاحتمالات توسع هذه الازمة ليست مجرد وساطة تقليدية يقوم بها طرف ثالث بين طرفين مختلفين... نحن لسنا طرفا ثالثا...بل نحن طرف واحد مع الشقيقين الطرفين، هدفنا الاوحد...اصلاح ذات البين وترميم البيت الخليجي الذي هو بيتنا ونتحرك لحمايته من التصدع والانهيار.

إن التاريخ وأجيال الخليج القادمة بل اجيال العرب جميعا لن تنسى ولن تغفر لمن يسهم ولو بكلمة واحدة في تصعيد وتأجيج هذا الخلاف، ويكون سببا في انهيار هذ الصرح الجميل.

ان مجلس التعاون الخليجي بارقة أمل واعد في ظلام الليل العربي... الشمعة التي تضئ النفق الطويل الذي يرقد فيه العمل العربي المشترك... ونموذج جدير بأن يحتذى للتوافق والتعاون البناء في الوطن العربي الكبير... وإن تصدع وانهيار مجلس التعاون هو تصدع وانهيار لآخر معاقل العمل العربي المشترك.

وهنا... أدعو اخواني المواطنين الى التزام نهجنا في التهدئة، وتجنب التراشق العبثي سعيا لاحتواء هذه الأزمة وتجاوزها بعون الله، فإن ما يجمعنا أكبر وأقوى بكثير مما قد يفرقنا، فلنتق الله في أوطاننا، ولندعو الله جميعا بأن تصفو القلوب، وتهدأ النفوس، وتلتئم الجروح، ليكون مجلس التعاون الخليجي صرحا شامخا، وقلعة راسخة، وراية عز وأمان وازدهار.

الأخوة رئيس وأعضاء المجلس المحترمين،،،

من المؤسف والمؤلم أن البعض أساء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي - تحت ذريعة حرية الرأي والتعبير - وهو ما لا نقبل المزايدة بشأنه، واتخذوها وسائل لبث الأحقاد والسموم وإثارة الفتن والعداوة والبغضاء، وتأليب الرأي العام، والإساءة إلى حكومات وشعوب الدول الأخرى، فصارت هذه النعمة نقمة وخطرا يهدد الأمن الاجتماعي وقيم المجتمع وأخلاقه، ويوهن الوحدة الوطنية ويصدع الجبهة الداخلية... ما يستوجب الإسراع بوضع حد لهذا التخريب المبرمج عبر الآليات المناسبة في إطار القانون وبما يحفظ لمجتمعنا ثوابته ومكتسباته.

أود في الختام...

أن أوجه من هذا المنبر كلمة إلى احبائي أهل الكويت أتحدث إليهم حديث الأب المحب لأبنائه.

غايتي في هذه الدنيا ورسالتي في هذه الحياة أن أعمل - ما استطعت إلى ذلك سبيلا - لرفعة هذا الوطن الكريم، وإسعاد أبنائي أهل الكويت هذا الشعب الوفي الذي كان للنوائب درعا لوطنه والذي كان في الملمات سندا لقيادته وذلك ردا لجميله وتقديرا لوفائه.. "وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان"..

إنني على ثقة تامة بإدراككم ووعيكم بالمخاطر والتحديات الماثلة، وبحرصكم على حمل الأمانة الغالية، والمسؤولية الجسيمة، وتجسيد التعاون المأمول بين المجلس والحكومة لفتح صفحة جديدة ترتقي لمستوى الآمال والطموحات التي يعلقها عليكم أهل الكويت، وتتجاوز كل العثرات، لتظل كويتنا الغالية كما عهدناها منارة للحضارة وواحة للعز والأمن والازدهار...

أسأل الله لكم جميعا السداد والتوفيق إنه نعم المولى ونعم النصير..



"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،



English French