النطق السامي لحضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله و رعاه
في افتتاح دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الرابع عشر لمجلس الأمة – الكويت في 16 ديسمبر 2012


بسم الله الرحمن الرحيم


"ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين"

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،

الأخ الرئيس الموقر،،،

الأخوات والإخوة الأعضاء المحترمين ،،،

فبعد أن قال الشعب كلمته يطيب لي ونحن نحتفل بافتتاح دور الانعقاد العادي للفصل التشريعي الرابع عشر أن أهنئكم على ثقة أهل الكويت الغالية بكم سائلا المولى تعالى أن يوفقكم في حمل أمانة المسؤولية العظيمة وتحقيق الآمال العريضة المعقودة عليكم في خدمة وطننا العزيز ورفعته وازدهاره فأنتم خلاصة تجربة جديدة لنظام انتخابي جديد وانتم من اختارهم المواطنون بوحي من إرادتهم الحرة في مناخ ديمقراطي عامر بالحرية والنزاهة بشهادة الجميع مستهدفين مصلحة وطنهم الكويت.

الأخ الرئيس ،،،

الإخوة المحترمين ،،،

لعل من الجدير أن نتفهم قلق أهل الكويت ومخاوفهم إزاء ما شهدته الساحة المحلية مؤخرا من مظاهر الفوضى وتجاوز القانون والانحراف في الخطاب السياسي التي لم نألفها من قبل وهي غريبة وطارئة على مبادئ مجتمعنا الكويتي وأعرافه الراسخة وما عرف به من قيم الاحترام المتبادل والاعتدال والتسامح وقبول الرأي والرأي الأخر.

ولا شك بأن إيماننا راسخ بحرية التعبير عن الرأي ويتسع الصدر لكل رأي مخالف أو نقد ايجابي يستهدف الإصلاح على أن يكون في إطار القواعد والشروط التي يحددها القانون وهي قواعد تنظيمية لا تنفرد دولة الكويت بها بل تعمل بموجبها كل الدول الديمقراطية الحرة تجنبا للفوضى والمساس بالأمن والاستقرار.

وإذا كنا جميعا نستنكر تلك الممارسات وما شابها من أعمال تجاوزت القانون والأعراف والقيم المعهودة أقلقت راحة المواطنين الآمنين في مساكنهم وأدت الى إشاعة الفوضى واستخدام لغة الإقصاء والتخوين بين أبناء الوطن الواحد فلا يفوتنا ان نوجه تحية إكبار وتقدير لإخواننا وأبنائنا رجال الأمن بما تحلوا به من صبر وحكمة وسعة صدر في استيعاب هذه الأحداث والحد من آثارها ومضاعفاتها.

و إزاء هذه الممارسات السلبية الغريبة فان ثمة تساؤل يفرض نفسه ماذا تركنا لأبنائنا وأحفادنا من قيم ومبادئ وأعراف غرسها الآباء والأجداد في وجدان هذا الوطن الكريم.. لماذا نفتح الباب واسعا ونترك المجال متاحا لكل يد خبيثة تضمر سوءا وشرا بأمن وطننا ومقدراته .. وهل يعقل أو يقبل أن يختزل احد دون غيره صواب الرأي ويتعين على الباقين الخضوع والمسايرة أو لا يجدر بنا جميعا اتباع القانون والالتزام بالقنوات والإجراءات القانونية التي نظمها القانون.

إن هذه الممارسات لا تصون وطنا ولا تعزز أمنا واستقرارا ولا تجعل من الباطل حقا بل هي بالتأكيد دعوة لهدر مكتسباتنا الوطنية وانتكاسة حضارية لا تعكس إيمانا حقيقيا بالديمقراطية ولا بدولة القانون والمؤسسات وعلى كل حال فهي صفحة نحن قادرون بعون الله على طيها وتجاوز آثارها والانطلاق نحو مرحلة من العمل الايجابي المثمر الذي يحقق لأهل الكويت آمالهم وتطلعاتهم.

لاشك بأن التطور والتغيير سنة الحياة وان المجتمع الواعي اختار لنفسه النظام الأمثل الذي يحقق آماله وتطلعاته وينسجم مع ثوابته وإمكاناته ومعطياته على قاعدة راسخة من التوافق والحوار الايجابي البناء لا تخدش ثوابته ولا تمس بأمنه واستقراره ولا تضعف تماسكه ووحدته.

ان علينا أيها الإخوة أن نتوقف لإعادة النظر في أوضاعنا قبل أن تضل الرؤية وتختلط المفاهيم وترتبك أسس الحق والباطل ومعايير الخير والشر.... علينا أن ندرك مؤدي القسم العظيم ومستوجباته وترجمتــــه عملا وقولا .... علينا أن نجسد الاحترام والتقدير لمرجعياتنا ولقضائنا النزيه وأحكامه العادلة ....علينا أن نرسم الحدود الفاصلة بين الحرية المسئولة وبين الفوضى المهلكة وأن نلتزم بالأطر والقنوات الدستورية والقانونية في جميع ممارساتنا دون انتقاء أو اجتزاء.... علينا أن نحسن الاستفادة مما أنعم الله علينا من أفضال وميزة لا أن تكون نقمة .... علينا أن نحسن استثمار حريتنا وديمقراطيتنا لا أن تنحرف مفاهيمها وتعود وبالا على وطننا.... علينا أن نتعلم كيف نختلف دون أن يتحول الخلاف الى خصام وعداء وصراع . فالحقيقة أن الاختلاف في الرأي نعمة ودلالة صحة وحيوية وتفاعل محمود بين أبناء اي مجتمع حر لا ينبغي أن نتوجس منه خيفة أو قلقا فجميع الكويتيين بفضل الله مخلصون في حب وطنهم مجتهدون في خدمته متفانون في التضحية من أجله متمسكون بثوابته ومكتسباته حريصون على صيانة كرامته فكرامة الكويت مصانة محفوظة بعون الله وهي من كرامتنا جميعا عاصية على كل من ينوي المساس بها أو النيل منها.

الأخ الرئيس ،،،

الإخوة الأعضاء المحترمين ،،،

نؤكد مجددا إيماننا الصادق بالنهج الديمقراطي والتزامنا بالدستور راسخ وقد أكدت بأنني من يحمي الدستور ولن أسمح بالمساس به أو التعدي عليه إيمانا بأنه يمثل الضمانة الأساسية بعد الله لأمن الوطن واستقراره كما أوضحت مرارا بأن جميع الكويتيين أبنائي مهما تباينت الاجتهادات والآراء ولا أكن لهم سوى الود والمحبة والتقدير وأنني على مسافة واحدة من كل واحد منهم مؤكدا ثقتي الكاملة في أن الجميع في النهاية حريص على مصلحة الكويت فليس بين أهل الكويت غالب او مغلوب اذا انتصرت الكويت وعلت رايتها وتحقق عزها هذه هي قيم أهل الكويت تربطهم أواصر الألفة والرحمة وروح الأسرة الواحدة رائدهم دائما مصلحة الوطن ورفعته.

الأخ الرئيس ،،،

الأخوات و الإخوة الأعضاء المحترمين ،،،

كلنا يعلم خطورة أوضاع منطقتنا والواقع المضطرب الذي يشهده العديد من دول المنطقة وما يستوجبه من اتخاذ الحيطة والحذر وحسن الاستعداد لتجنب آثارها وشررها علينا.

أمامنا مهام صعبة وتحديات مصيرية هي بناء كويت المستقبل ، كويت الديمقراطية ، كويت الحرية والعدل والمساواة ، كويت الرفاه والرخاء ، كويت الأمن والاستقرار ، كويت الرفعة والعزة والكرامة.

ولا سبيل لتحقيق كل ذلك الا بتضافر كل الجهود والطاقات الوطنية وتعاوننا جميعا مؤسسات وأفرادا في عمل جاد مخلص من اجل أمنا الكويت لدفع مسيرة العمل كمشروع وطني متكامل يحقق الغايات المنشودة.

إن نجاحكم مجلسا وحكومة أصبح قدرا لابد منه وفي هذا الصدد أجد من المناسب توجيه بعض الرسائل والنصائح في مواجهة متطلبات المرحلة المقبلة.

ورسالتي الأولى هي للحكومة..

إن أولى خطوات الإصلاح تبدأ بالاعتراف بالخلل وحسن تشخيصه وتحديد أسبابه ليتسنى إصلاح الخلل ومعالجته على نحو سليم وعلى الحكومة مسؤولية التخطيط الواقعي السليم وإعداد برنامج عمل واضح المعالم قابل للتنفيذ فلا تتجاوز الطموحات الإمكانات... يراعي الأولويات ...يضع الأهم قبل المهم ... ويستهدف بناء الإنسان قبل المكان ... يتلمس هموم المواطنين ومشاكلهم ... ويرتقي بالخدمات العامة .... ويجسد الالتزام الجاد بتطبيق القانون بلا تهاون .... ويحارب آفات الفساد والواسطة ... تلتزم فيه خطوات التنفيذ بجدول زمني محدد المواعيد مشمولا بأدوات متابعة التقويم وآليات الثواب والعقاب الكفيلة بانضباط العمل وتحقيق الانجاز المطلوب.

ورسالتي الثانية لمجلس الأمة..

فعليه تقع مسئولية إصلاح المؤسسة التشريعية وتعزيز دورها الايجابي الحيوي في دفع مسيرة الانجاز الوطني وتصويب ممارسة العمل البرلماني وتنقيته من الشوائب التي تعيق أداء دوره الحيوي في التشريع الايجابي والرقابة الموضوعية الجادة والنأي به عن النزعات الطائفية والقبلية والفئوية والمصالح الضيقة وضمان الارتقاء بلغة الحوار وتجاوز الجدل العقيم الذي يبدد الجهد والوقت والطاقات والعمل على احترام الحدود الفاصلة بين السلطات وتفعيل التعاون الحتمي البناء مع الحكومة لإزالة كل أسباب الاحتقانات التي تعرقل تكامل الجهود وانسجامها وتدفع عجلة الانجاز.

أما رسالتي الثالثة فهي لمؤسساتنا الإعلامية بكافة وسائلها وأدواتها ...

فعليها دور وطني مهم في تعزيز اللحمة الوطنية ونبذ كل ما من شأنه بث الفتنة والفرقة بين صفوف المجتمع وان تحرص على ان تكون أدوات للبناء والتنمية وداعمة للتقارب والتلاحم ولكل رأي مستنير يخدم المصلحة العامة حريصة على التمسك بثوابتنا الوطنية وقيمنا الأصيلة ملتزمة بالقانون وبمقتضيات الحرية المسئولة والمصلحة الوطنية في أداء رسالتها السامية.

وكلمة أخيرة لأبنائي الشباب ...

فعليكم أن تكونوا أشد وعيا ونضجا وبصيرة في تكوين قناعاتكم ومواقفكم واختيار الطريق الذي يحقق مصلحتكم وخير وطنكم وأهلكم وأن تدركوا ان كل مسألة يتسع فيها الأمر لأكثر من رأي واجتهاد وان حق التعبير وحق الاختلاف أدوات اساسية في اي نظام ديمقراطي وان القوانين والأنظمة تسمح بمساحة واسعة وأساليب متعددة للتعبير بكل حرية واطمئنان دون مخالفة القانون او الإساءة للغير او المساس بثوابتنا وقيمنا التي نحرص جميعا على احترامها واعلموا يا أبنائي الأحباء بأن الحماسة وقود يعزز الإرادة ولكن اذا غاب عنها الوعي والحكمة وحسن التقدير تحيد عن مبتغاها وتفقد جدواها.

إنكم الطاقة المحركة لتنمية أي مجتمع وارتقائه وأنتم أساس أمنه واستقراره وانتم الثروة الباقية وأنتم نصف الحاضر وكل المستقبل وأنتم أعمدة النهضة المقبلة ولن نبخل عليكم بجهد أو مال لتتحملوا مسؤوليتكم كاملة تجاه وطنكم.

وإيمانا بدوركم المهم فإنني أدعو الحكومة لاتخاذ التدابير الكفيلة بتمكينكم من المساهمة بشكل ايجابي في كل ما يتيح لكم اختيار مساراتكم وتطوير مهاراتكم وإمكاناتكم ومعالجة قضاياكم وانطلاق طاقاتكم الخلاقة وتذليل ما يواجهكم من عقبات للنهوض بمسؤوليتكم على النحو الأكمل.

الأخ الرئيس ،،،

الأخوات لإخوة الأعضاء المحترمين ،،،

إخواني وأبنائي المواطنين ،،،،

ستظل ديرتنا الحبيبة كما عهدتموها دائما بإذن الله راية شامخة خفاقة وواحة أمن ورفاه تنعم بأجواء الحرية والديمقراطية عنوانا للوحدة الوطنية ومنارة للرقي والحضارة.

إن ربيع الكويت دائم بفضل الله قائم بجهود وحرص وإخلاص أبنائها محمي بظلال قيمها وثوابتها الراسخة متأصل بجذور ارتوت بعرق الأجداد والآباء عبر تاريخ حافل بالتضحيات والبطولات والانجازات.

إننا أمام صفحة جديدة تستوجب أن نتجاوز عثرات الماضي وننطلق للامام رائدنا مصلحة الكويت وهي دعوة لجميع إخواني وأبنائي الكويتيين بلا استثناء لأن نتحمل مسؤولياتنا نتقي الله في وطننا نصونه ونحفظ أمنه واستقراره ونتمسك بثوابته ونحمي مكتسباته ونعمل من أجل رفعته وازدهاره.

لتجتمع كل القلوب على حب الكويت وتلتف جميع السواعد لخدمتها ولتصفو كل النفوس من أجلها ولنتعاون جميعا لنرفع بنيانها ونعلي شأنها ولنسر على بركة الله صفا واحدا ويدا واحدة.

فحمدا لله على ما أنعم وشكرا على ما أعان نسأله تعالى أن يحفظ كويتنا الغالية ويحميها يباركها ويعليها وأن يجعلنا أهلا لعونه وتأييده إنه هو البر الرحيم.

 

"إن أريد الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب".
صدق الله العظيم

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،


English French