•  النطق السامي لسمو أمير البلاد حفظه الله ورعاه في افتتاح دور الانعقاد العادي الرابع من الفصل التشريعي الثالث عشر لمجلس الأمة يوم الثلاثاء الموافق 25 اكتوبر 2011
النطق السامي لسمو أمير البلاد حفظه الله ورعاه في افتتاح دور الانعقاد العادي الرابع
من الفصل التشريعي الثالث عشر لمجلس الأمة
يوم الثلاثاء الموافق 25 اكتوبر 2011

 


" ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا"

صدق الله العظيم

بقلوب خاشعة ملؤها الايمان بقضاء الله وقدره ، تلقينا نبأ وفاة المغفور له بإذن الله تعالى أخي صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام في المملكة العربية السعودية الشقيقة ، و بفقدانه رحمه الله ، فقدت المملكة الشقيقة والأسرة الخليجية ، والأمتين العربية والإسلاميــــة رمزاً شامخاً ، وقائداً بارزاً ، كرس حياته لخدمة قضايا وطنه و أمته العربية والاسلامية .

و إذ أقدم باسمي وباسم الشعب الكويتي، أصدق آيات التعازي والمواساة لأخي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود ، وإخوانه الكرام، وللأسرة المالكة ، وللشعب السعودي الشقيق بهذا المصاب الجلل ، فإنني أعزي نفسي برحيــــل أخ عزيز ، وصديـــق قريب ، و رفيق درب ، تقاسمت معه الهموم والأعباء والمسؤوليات ، في حلوها ومرها ، وفي سرائهــــا وضرائهــــــا ، وكان نعم الأخ والصديـــق والرفيـــــق ، نموذجــاً للحكمـة ، والحنكة والاخلاص ، رائداً للعمل الانساني والخيري في كل مكان ، مجدداً الشكر والعرفان لمواقفه الأخوية المشهودة في مؤازرة الحق الكويتي، ورفض الاحتلال الغادر ، والإصرار على استعادة الكويت لسيادتها ، تلك المواقف التي ستظل ماثلة في ذاكرة الكويتيين جيلاً بعد جيل .

نسأل المولى عز وجل أن يكرم فقيدنا الغالي برحمته الواسعة ، ومغفرته ، ورضوانه ، ويسكنه جنات النعيم و أن يمد خادم الحرمين الشريفين بموفور الصحة والعافية ، ويديم على المملكة العربية السعودية الشقيقة نعمة الأمن والعز والرخاء ، في ظل قيادته الحكيمة .


اللهم أحسن خاتمتنا ، وارض عنا ، و إنا لله وإنا إليه راجعون .

والآن ... أسال الإخوة الأعضاء الوقوف لقراءة الفاتحة على روح الفقيد.

ثم ألقى سمو أمير البلاد حفظه الله النطق السامي أمام جلسة مجلس الامة الافتتاحية ، وفيما يلي نص النطق السامي .


يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم و من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما " .

صدق الله العظيم

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ،

الأخ رئيس مجلس الأمة الموقر ،،،

الإخوة والأخوات أعضاء مجلس الأمة الموقر ،،،

أحييكم أطيب تحية ونحن نلتقي اليوم  بافتتاح دور الإنعقاد العادي الرابع من الفصل التشريعي الثالث عشر وباسم الله وبعونه نفتتح أعمال هذا الدور  ، ونسأله تعالى أن يبارك خطانا بمزيد من العمل والانجاز لخدمة كويتنا الغالية ، و أهلها الأوفياء .

الأخ الرئيس ،،،

الإخوة والأخوات الاعضاء المحترمين  ،،،

إن الممارسات والظواهر الغريبة التي يتعرض لها مجتمعنا الكويتي مؤخراً قد تجاوزت كل الحدود ، ومست ثوابتنا الوطنية ،  حيث غدت العصبيات القبليــــة،  والطائفية ، والفئوية البغيضة تقود التوجهات السياسية وأصبح العزف على أوتارها جسرا ًسريعاً لتحقيق المكاسب الضيقة على حساب مصلحة الوطن والمواطنين . ومن المؤسف أن نرى من يسعى جاهداً لأن تكون مؤسساتنا التعليمية والاجتماعية والرياضية ، مرتعاً لهذه العصبيات ، وتغذية الشباب بهذه المفاهيم المدمرة ، وهم من نعول عليهم في بناء كويت الحاضر والمستقبل.

الأخ رئيس مجلس الأمة ،،،

 الإخوة الأعضاء المحترمين ،،،

يؤلمني كثيراً ما يعيشه ... بل ما يعـــــانيه وطننـــــا الحبيب من أجواء التوتر والتــــأزيم السياسي ، والنزاع المستمر ، بين مجلس الأمة والحكومة ، كأنهما خصمين لدودين ، وليسا أخوين شقيقين ، وذراعين لجسد واحد ، كما يؤسفني أيضاً انحدار لغـــــة الخطـــــاب السيــــاسي ، والتراشق ،  والتشكيك بغير دليل أو برهان ،  بتهم الرشــــوة ، والفســــاد والخيانة والعمالة ..،  الى آخر هذه الألفاظ المقيتة التي كانت الكويت حتى وقت قريب بمأمن منها،  وبمعزل عنها.

و لقد تابعنا ما حفلت به هذه القاعة في الآونة الأخيرة من العديد من الممارسات والمساجلات والعبارات بما يخرج عن إطار الدستور ، ويسيء الى مكانة هذا المنبر ، ويبتعد عن دوره وغاياته الوطنية السامية وكيف لمن يؤمن بالدستور والقانون،  ويستطيع طرح كل ما يعن له تحت هذه القبة بضماناتها ، وأدواتها الدستورية المعروفة  ، أن يتجاوز هذه المؤسسة ، ويتنادى لعقد التجمعات في الشوارع ، والساحات وافتعال الشحن والاثارة ، بما يعود بالضرر والخسارة على الجميع ... وهل يقبل أن يكون الالتزام بالمبادىء محصوراً بالاقوال ... فيما تكون المصالح والاهواء قرينة الافعال...إن انشغال البعض بالهدم بدلاً من البناء ...  وبالهجوم الشخصي بدلاً من التعاون من أجل الكويت ...  متناسين واجباتهم الأساسية ، يدفعني ويدفعكم الى التساؤل ... أين صوت العقل والحكمة ... هل هذا سبيل البناء والتقدم والتنمية ام سبيل الهدم والدمار والتخلف .. .

الأخ رئيس مجلس الأمة ،،،

 الإخوة الأعضاء المحترمين ،،،

كم نحن في حاجة الى نبذ خلافاتنا ، والالتفات نحو مشاريع البنى التحتية ، وتحسين الخدمات العامة كالصحة والتعليم والإسكان وغيرها ، والتصدي للفساد أين ما وجد ، و سن التشريعات الناجزة ، والتدابير العملية التي تحفز الإستثمار ، و إقامة المشاريع في الكويت ، والارتقاء بمستوى معيشة المواطنين ، وتوفير أسباب الرفاه لهم ، والتخفيف عن كاهلهم ، وتحقيق فرص العمل التي تمكن الشباب من المساهمة في بناء بلدهم ، والاتجاه للرقابة الموضوعية ، والمساءلة التي تستهدف إصلاح الخلل والانحراف ، وليس الاشخاص بذاتهم.

إن علينــــا متابعة ما يجري حولنــــا من أحداث خطيرة ، واضطرابـــات شديدة ، وحروب دامية ، و مستجدات كبيرة ، و مشاكل اقتصادية عالمية كبرى ، لها كلها تأثيرها البالغ على أمننا الوطني ، ومصالحنا العليا في حاضرنا ومستقبلنا ، ما يتطلب منا بل يوجب علينا جميعاً أن نوحد الصفوف ، ونحشد الجهود لمتابعتهــــا ومواجهة عواقبهــــا وتداعياتهـــا ...  فهل أنتم واعون لهذه الأخطار ؟ ...  وهل أنتم مدركون لهذه التحديات ؟... وهل أنتم مستعدون للتفرغ لها وحماية وطننا وأهلنا من شر أخطارها ؟ ... أرجو أن تكونوا كذلك وترتفعوا إلى مستوى المسؤولية ، حتى لا يتحقق فيكــــم قولـــه تعـــالى :  " بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى"  ...  لا قدر الله.

نقولها بكل إيمان وإصرار ... نعـــم للرقـــابة المســــؤولة ... نعـــم للمســــاءلة الموضوعية ... نعــــم للمحــــاسبة الجــــادة  التي يحكمها الدستور والقانون ، وتفرضهــــا المصلحـــــة الوطنية ، والبعيدة عن الشخصــانية ، واستبـــاق الأحكـــــام ، واطـــــلاق التــــهم ،... فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقول :  "  كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما يسمع   " ،    ولن نقبل بأي حال من الأحوال من يطال مصلحة الكويت بسوء ،  ولن نقبل بأي مكابرة  ، أو مزايدات في هذا الشأن ...  فقد تجاوزت الأحــــوال كل الحـــــدود ،  وتخطت ترف الجدل العقيم  ، وليس أمـــامنا غير العمل ... والعمل الدؤوب لحماية أمن الكويت وبنائها ، واستعادة مكانتها اللائقة وتحقيق طموحات المواطنين.

الأخ رئيس المجلس  الموقر ،،،

 الإخوة الأعضاء المحترمين ،،،

إن الإعلام ركن أساسي من منظومتنا الديمقراطية  ، وقد كانت صحافتنا الوطنية نبراساً يقتدى على المستوى العربي والإقليمي حريصة على أداء رسالتها السامية ،  واليوم دأب الكثير من وسائل الاعلام دون بعضها الى صب الزيت على نار الفتن لتزيدها اشتعالاً ،  وتنفخ في أتون التأزيم والبغضاء  ، لاهثة وراء الإثارة وتأجيج الصراعـــــات ، وافتعال العداوات مع الآخرين ، جاهدة لزيادة الانتشار بأي ثمن ، تحركها للأسف الأهواء الفئوية ، والمصالح الخاصة ، بعيداً عن مصلحة الوطن والمواطنين ، الأمر الذي يستوجب من الجميع التوقف لمعالجة هذه الاختلالات وتصحيحها ، لكي تمارس مؤسساتنا الإعلامية دورها الايجابي المنشود في المحافظة على أمن البلاد ، ودفع عملية البناء والتنمية فيها.

الأخ رئيس المجلس الموقر ،،،

 الإخوة الأعضاء المحترمين ،،،

ثمة أمر يشغل تفكيري ، و أود أن ألفت إنتباهكم إليه ، و أدعوكم لأن يحظى ما يستحقه من اهتمام جاد  ألا وهو...  أبنــــاؤنا الشبـــاب .

يعلم الجميع بأن حجم وسرعة التغيرات التي اصابت مجتمعنا والعالم أجمع أكبر بكثير من طاقتنا في استيعابها ، والتعامل مع آثارها ، و إن الشباب هم الأكثر والأسرع تأثيراً بهذه التغيرات ، وهم طاقة فعالة لا ينبغي أن تترك عرضة للإستقطاب ، وسوء التوجيه  ، الأمر الذي يتطلب واقعية النظرة تجاههم ، وحسن التفاهم والتواصل معهم ، والتعرف على احتياجاتهم ومتطلباتهم ،  وتأمين كافة الأدوات والسبل لتحصينهم من مخاطر العصر المدمرة ، وتعزيز تفاعلهم الإيجابي مع قضـــايا مجتمعهم ، بما يعينهم على مواجهة مسؤوليــــاتهم في بنــــاء وطنهم  ، والعمل من أجل رفعته وتقدمه .

أحبائي .. إخواني و أبنائي .. أهل الكويت الأوفياء ،،،

إن واجبكم الوطني في ممارسة حقكم الانتخابي لا ينتهي بإدلائكم بأصواتكم في صناديق الاقتراع لانتخاب ممثليكم في مجلس الأمة ، بل انه يبدأ عندئذ ... فواجبكم الوطني يتطلب منكم متابعة أداء نوابكم   ومساءلتهم عن مواقفهم ، والشد على أيديهم ان أحسنوا ، ومحاسبتهم إن أساءوا ، و أن يكون الحكم على انجازاتهم وفقاً لاعتبارات ومعايير المصلحة الوطنية  ، بعيداً عن الطائفية ، والفئوية ، والقبلية  ، والمذهبية  والمناطقية ، والطبقية  ، بحيث تكون مصلحة الكويت العليا هي المقياس الأعلى والأهم الذي يتقدم على سائر الاعتبارات الأخرى .

كما يقتضي الأمر ،  بحكم قربي منكم ، وحرصي على تلمس همومكم وهواجسكم ، أن ابوح لكم بأنه يؤلمني كثيرا ما ألمحه احياناً على وجوهكـــم الطيبة من مشاعر القلق إزاء أوضــــاع البـــلاد ، رغم ما تنعم به بفضل الله من قيم راسخة ، وألفة جامعة ، و وفرة مـــاليـــة غير مسبوقة ، و توفر كافة مقومات الاستقرار والنجاح والحياة الكريمة . إن قلقكم يتعبني ، ويؤلمني فكيف ارتاح اذا لم تكونوا مرتاحين، وكيف يهدأ لي بال اذا كنتم قلقين ، أريدكم أن تطمئنوا ولا تقلقوا ...  فلن نسمح بالمساس بكويتنا الغالية ، وإن غـــــداً بإذن الله سيكــــون أفضل من يومنـــــا...  فالكويت ولله الحمد بخير ونعمة ، وستظل بعون الله في أمن وأمان تحرسها عناية المولى الكريم ، وسواعد أبنائها ، ووحدة أهلها ، وتســـــاندها قوى الخير والحق والعدل في العالم ، وخيراتها التي تنفع الناس في مشارق الأرض ومغاربها  ...  " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ".

صدق الله العظيم

الأخوة رئيس وأعضاء المجلس المحترمين ،،،

إن حديثي ليس مقصوراً على السلطتين التشريعية والتنفيذية فقط ، بل إنني أخاطب الجميع من هذا المنبر مؤسسات وأفراداً  ... انظروا وتأملوا وأمعنوا النظر فيما يدور حولكم ، واقرأوا بعين العقل والوعي والحكمة تجارب الغير ، واعتبروا ...  صونوا أمكم الكويت ، فلن تجدوا لها مثيلاً أو بديلاً ،  وحافظوا عليها ، واحفظوا نعمها ... تحفظكم.
وفي هذا المقام تحضرني مقولة خالدة لسمو أميرنا الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح طيب الله ثراه استشهد بها في نصح أبنائه ممثلي الشعب في بدايات تجربتنا البرلمانية بعد صدور دستور البلاد ، اذ قال رحمه الله :

تهدى الامور بأهل الرأي ما صلحت      فإن تولت  فبـــالأشـــرار تنقـــاد

... مقولة حكيمة من قلب قائد حكيم ،  وهي جديرة بأن نتبصر معانيها العميقة ، وأن تكون دائماً نابضة في ضمائرنا ، حاضرة في عقولنا ، لكي نحسن أداء مسؤولية الأمانة العظيمة التي نحملها ، مسؤولية الوطن والشعب ، ونصل في بلدنا الى بر الأمان.

سيروا على بركة الله وهديـــه قلبـــاً واحـــــداً ،  ويداً واحدة ، متعاضدين ، يجمعنا الوطن الواحد ، والهدف والمصير الواحد ، بكل ما في وجداننا من حب عميق لهذا الوطن ،  لنثبت للجميع بأن أهل الكويت على عهدهم بالوفاء لكويتنا الغالية .


English French