• حضرة صاحب السمو أمير البلاد يتوجه بكلمة الى الكويتيين بمناسبة الاعياد الوطنية 24/ فبراير /2011
نـص كلمة حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله و رعاه
  الى  أبنائه الكويتيين بمناسبة الأعياد الوطنية  المجيدة في
  24  فبراير  2011 .



الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن اهتدي بهديه الى يوم الدين.

"رب اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات ".

الحمد لله الذي أكرمنا بنعمه التي لا تحصى ، وجعل لنا وطناً آمناً مستقراً ،  وأفاء علينا من فضله بالرخاء والخير الوفير ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه الأكرمين.


أيها الإخوة والأخوات ،،، يا أبناء ديرتي الأحباء ،،،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

أتوجه اليكم اليوم بأرفع آيات التهنئة والتبريكات بمرور خمسين عاماً على تكريس ثوابتنا المبدئية في الاستقلال والسيادة ، ومرور عشرين عاماً على الوقفة المشرفة لأبناء هذه الأرض الطيبة بصمودهم وبسالتهم ، وتضحياتهم المشهودة في مواجهة الإحتلال الغادر ، والتفافهم حول قيادتهم الشرعية لتحرير الوطن العزيز ، و بذلهم للغالي والنفيس من أجل الحفاظ على وطنهم عزيزاً مكرماً.

وفي هاتين المناسبتين التاريخيتين ، فإنكم تشاطرونني مشاعر الوفاء والحب والعرفان لفقيدينا الكبيرين الراحلين صاحب السمو الأمير الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح ، و صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح - رحمهما الله وطيب ثراهما الطاهر - اللذين سيبقى دورهما البطولي الأمثولة في مواجهة الغزو البغيض ، وما قدماه من جهود وإنجازات في خدمة كويتنا الغالية إضاءات ساطعة في ذاكرة كل الكويتيين ، وقد واصلا مع المخلصين من أبناء هذا البلد الطيب الليل بالنهار من أجل استعادة الحق والحرية والكرامة ، متفانين في إعادة إعمار البلاد بعد الغزو الهمجي المدمر ، خلال فترة قياسية كانت محل تقدير العالم أجمع.

كم هو شعور مهيب مليء بالعزة والكبرياء أن نستذكر بكل الفخر والتقدير مئات الشهداء والأسرى والمفقودين الذين ضحوا بدمائهم ونفوسهم الأبية للدفــــــاع عن تراب الوطن الغــــــالي  ،  فللشهادة مقامها الجليل ومكانتها العالية عند الله ،  نسأله تعالى أن يتغمدهم بواسع رحمته ورضوانه ، وينزلهم منازل الأبرار مع الشهداء والصديقين ، إنه سميع مجيب.

هذا ، وحري بنا في هذا المقام أن نستذكر بكل امتنان وتقدير مواقف أشقائنا في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ، والدول العربية الأخرى الشقيقة ، والدول الصديقة وقادتها ، الذين وقفوا الى جانب الكويت إبان فترة الاحتلال العصيبة ، وساهموا مساهمات جليلة معنا في تحقيق النصر المؤزر في ملحمة امتزجت فيها الدماء الزكية ، دفاعاً عن مبادئ الحق والحرية والعدالة.

ويطيب لي في هذه المناسبة ، أن اتقدم باسم أهل الكويت جميعاً بالشكر والترحيب برموز المبدأ والموقف ضيوفاً أعزاء في هذه المناسبة الجليلة ، مؤكداً بأن شعبنا الوفي لن ينسى وعلى مدى الدهر هذه المواقف الشريفة الشجاعة.

كما لا يفوتني أن أسجل بالعرفان والتقدير الدور البارز لمنظمة الأمم المتحدة ، والتفويض الذي منحه مجلس الأمن للدول المتحــــالفة مع الكويت ، باستخدام جميع الوســـائل الممكنة لتحريرهـــا ، وعودة الشرعية إليها ، وضمان حدودهــــا ، وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة ، الأمر الذي اعتبر وبحق أحد أنصع وأبرز إنجازات الأمم المتحدة.


الإخوة والأخوات الكرام،،،

إن كويت الدولة التي ننعم بأمنهــا و أمانهـــا لم تقم اليوم ، وليست المــواثيق والثوابت فيها جديدة ، كما لم تكن وليدة الصدفة ، ولم تكن إملاء ... وإنما هي بتوافق شعبها وحكامها.

إن كويت الوطن لم تكن يوماً لجماعة بذاتها ، أو لفريق دون آخر ، ولم تكن في سماتها أبداً  قبلية أو طائفية أو فئوية ، وكل ما تحقق من مكاسب وإنجازات إنما هو بفضل تآلف وتكافل وتلاحم أهل الكويت جميعاً  مستكملين مسيرة الآباء والأجداد ، وهم يغالبون شظف العيش على صحرائها ، وفي عرض البحار والمحيطات ، والديمقراطية فيها صوت الضمير لديهم امتثالاً لقوله تعالى  " وشاورهم في الامر " ، و وحدة أهلها فيها هي الإرادة المشتركة الجامعة لهم على مواجهة التحديات ، وهي ملاذنا ومستقرنا ما بين المهد واللحد الى يوم الدين.

و إذ أجدد اليوم التأكيد بأن التزامنا بالنهج الديمقراطي ، وبالحرية المسؤولة ثابت ، و راسخ ومتجذر ، وهو خيارنا جميعاً  الذي لا رجعة فيه ، فان الدستور يمثل العقد الذي ارتضيناه حكماً عادلاً يعمل الجميع تحت سقفه و في إطــــاره ، وهو الإنجــــاز الحضـــاري الذي نفتخر به ونعتز ، وسأعمل دوماً من أجل صيانته وحمايته.

ولا شك بأن الديمقراطية تعني لغة الدستور والقانون والحرية المسؤولة المحكومة بالأطر القانونية المحددة التي تحقق المصلحة الوطنية العليا ، وتتيح الرقابة والمساءلة والنقد الموضوعي لكل خلل أو تقصير ، ولم تكن يومــــاً أداة للفوضى والانفـــلات والتشكيك والتحريض ، فطوبى  لكل من عــــــاش من أهلها على ترابهــــا ، ضارعاً مرضاة الله في وطنه ، وطوبى للحكومات والمجالس التشريعية المتعاقبة ، وطوبى لكل مخلص كان له شرف المشاركة في مسيرة بناء الدولة العصرية ، دولة القانون والمؤسسات.

إن هذه المسيرة الطيبة لم تتحقق عن طريق الأحلام والخطب والتمنيات ، و إنما هي ثمرات جهود دؤوبة مبرورة ، و إرادة حرة خلاقة ، و التزام صادق بأمانة المسؤولية في العمل والإنجاز ، وتواصل حي في الوفاء والعطاء جيلاً بعد جيل ،  مستذكرين بالشكر والعرفان فضل الأولين من رجالات الكويت ونسائها ، الذين سطروا بأعمالهم وانجازاتهم الخالدة نماذج وضاءة من العطاء والاخلاص للوطن ، كل في موقعه ، وحسب قدراته ، فقد حمل هؤلاء للأجيال القادمة أمانة الكلمة ، والإخلاص في العمل ، والتفاني بحب الوطن ، والإستقامة في الخلق ، ولم تكن هذه المسيرة خــــالية من العثرات التي تجاوزها أبناء الكويت باجتماعهم على كلمـــــة سواء ، متحصنين بروح المسؤولية ، و برصانة الحوار ، وسعة الرؤية ، متسلحين بالعلم والمعرفة ، متعاونين دائماً بما يجعل الكويت هي الرابح الأكبر.

إن من الصفحات الوضاءة في مسيرتنا الوطنية تلك الخطوة الريادية المباركة نحو تعميق المشاركة الشعبية بدخول المرأة الكويتية محراب البرلمان ، لتمارس حقها السياسي والدستوري في الانتخاب والترشيح ، وهي خطوة تمت بإرادة كويتية خالصة ، وبوعي ديمقراطي لافت أثار إعجاب واحترام العالم كله ،  و من هذه الصفحات الناصعة تلك المبادرات التي انفردت بها الكويت فأكسبتها المكانة المرموقة التي تستحق في محيطهــــا والعـــــالم ،  وفي مقدمتها تسليط الضوء على أهمية محاربة الفقر والجوع والمرض ، و قد انشأت مع استقلالها أقدم مؤسسة تمويلية في العالم العربي والشرق الأوسط ، وهي الصندوق الكويتي للتنمية الإقتصادية العربية لتقديم العون والمساعدة الى الدول الشقيقة والصديقة والدول المحتاجة ، حتى وصل هذا الأمر الى أقصى ديار المعمورة.

هذا ، و قد دأبت الكويت على انفتاحها الإيجابي المتوازن فيما يحكم سياستها الخارجية ، التزاماً بثوابتهــــا الوطنية المبدئيــــة ، واحتراماً للشرعية الدولية ، تأسيساً لروابط وعلاقات إقليمية ودولية ، قائمة على التعاون البناء في إطار المصالح المشتركة والاحترام المتبادل ، ولقد سلكت الكويت طريق الخير في دعم القضايا العادلة  بتعاونها مع الدول العربية والإســــلامية ، و سائر الدول الصديقة في العالم ،  لا سيما شقيقاتها دول مجلس التعاون الخليجي ، و بمســـاندة المنظمات الدولية ، وتعزيز دورها في المحافظة على الأمن والسلام الدوليين.


الإخوة والأخوات الكرام ،،،

إننا في الكويت ندعو دائمـــاً الى التخطيط الشامل سبيلاً علمياً وعملياً لتحقيق التنميــــة المستدامة ، و إنجاح مشروعاتها المستهدفة ، و إنني أؤكد على أن قضيتنــــا المركزية في التنمية تقوم على بناء الإنسان باعتباره المكون الأساسي في مواجهة قضاياها ، ولا يفوتني أن أنوه بدور شبـــابنا الواعــد في صناعة الغــــد المـــأمول ، فهو حجر الزاويـــة في أي بناء وإنجاز ، وإنني على يقين ثـــابت بقدرة أبنائنــــا من شبـــــاب الكويت على تلمس السبيل الصحيح ، وهو حريص على تجاوز تحديات المستقبل ، متوسماً أن تعيش الأجيال الكويتية قوية محمية من الصدمات والنوائب ، شريكة في المسؤولية الوطنية ، عاشقة لبلدها متصلة بتاريخها وتراثها.


الإخوة والأخوات الكرام ،،،

مع مرور نصف قرن على الاستقلال ، وعقدين على التحرير ، أجد نفسي وقد تشرفت بحمل أمانة مقاليد الحكم لخمس سنوات خلت ،  إنني على العهد في الحديث إليكم من القلب ، وفي غمرة الفرحة ، و أجواء البهجة والسعادة التي نعيشها هذه الايام ، في ظل مناسباتنا الوطنية المجيدة ، و ما تجسده من معاني العزة والفخر ، و ما تنطوي عليه من استحقاقات واجبة ، علينا ألا ننسى أن أمامنا تحديات جسيمة لا يمكن لواع مخلص أن يتجاهلها ، وقدرنا أن تتربع أرضنا الطيبة على رأس الخليج العربي ، متوسطة بذلك منطقة مثقلة بتفاعل الأحداث والتطورات والمتغيرات المتسارعة ، وهو ما يقتضي منا التزام الحذر واليقظة ، وحسن ترتيب الأوليات في ضوء قراءة نافذة ، و متــــابعة واعية لتداعياتها واسقاطاتها  أمنياً و سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ، و أن نهيئ العدة لدرء الأخطار ، والتحديات التي تحملها الى ساحتنا المحلية قبل فوات الأوان.

إننا في مرحلة عامرة بالملفات والالتزامات ، وعلينا كل في موقعه أن نسارع الى حسن التخطيط ، و استثمار الوقت والإمكانات ، والتفاني في العمل وأداء الواجب ، بما يجنبنا التساهل والاسترخاء ، وانفلات الزمام  واستباحة المحظورات بتبعاتها باهظة الأثمان ، ولنعلم أنه لا طاقة لنا في مواجهة هذه التحديات الا بتماسكنا جميعاً وتوحيد صفوفنا.

ولقد أثبتت التجارب بما لا يدع مجالاً للشك أننا بحاجة الى استيعاب الدروس والعبر في نبذ الفرقة والتباعد ، والترفع عن التحزب ، والتعصب ، و تحكيم العقل والحكمة ، والارتقاء الى حجم المسؤولية الوطنية في تغليب المصلحة العامة على سواها ، وفي ذلك سبيلنا لمرضاة الله في وطننا " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم"  صدق الله العظيم.

وأعود لأذكركم بنعم الله علينا ، و ما أكثرها ، وعلينا نحن تقع مسؤولية المحافظة على ما اختصنا به رب العالمين من خيرات وأفضال ، فمن نعمه أن جعلنا في وطن آمن ، يبعث الطمأنينة في نفوسنا ، ويحمي مقدراتنا وخياراتنا في العيش الكريم ،   ومن نعم الله المباركة أن جعلنا أسرة واحدة ونسيجاً مترابطاً نستشعر فيه الألفة والتلاحم ، والقوة الجامعة في بوتقة وطنية واحدة ، ومن نعمه كذلك تلك الخصوصية الكويتية للعلاقة المتفردة بين الحاكم والشعب ، بما يحكمها من روابط الأخوة والتلاحم والتكامل ، والتي كان لها الفضل بعد الله تعالى في تحرير دولة الكويت ، بعد أن تجسدت الوحدة في المؤتمر الشعبي الذي عقد في جدة إبان فترة الاحتلال الآثم ، ومن نعمه أيضاً أننا نستظل بأجواء من الحرية  قل نظيرها ، وهي تعكس السمات الفكرية والحضارية في إبداء الرأي ، والتعبير والانفتاح على النفس وعلى الغير ، وأيضاً من نعم الله أننا في قلعة الديمقراطيــــة الحصينـــــة بالإرادة الكــــويتيـــة في احترام الذات الإنســانية ، والحقوق الآدمية التي حرص مجتمعنا على التمسك بها منذ نشأته. و إنها لمناسبة ، أن أدعوكم الى المحافظة على ما حبانا به الله ، فبحمده تدوم النعم ، و تيمناً بقوله  تعالى  " ولئن شكرتم لأزيدنكم " ، مجدداً الدعوة الى الجميع في الحرص على تسييد القانون ، والحذر من مغبة الإستقواء بغيره ، داعياً في آن معاً الى التحصن بسلطـــان قضائنا نزيهاً عادلاً مستقلاً ،  والالتزام بمنظومة دولة القانون والمؤسسات.


يا أبناء ديرتي الأحبـــاء ،،،

نملك كل مقومات الانطلاق والتقدم والنماء ، بكم و معكم أتطلع الى مستقبل أرحب من الحاضر بإذن الله ، حيث تتجدد الآمال ، و تتسع فسحـــات التفـــاؤل "  ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم " صدق الله العظيم.

إننا نؤمن بالله جل جلاله ، ملتزمين بتعاليم ديننا الحنيف ، متمسكين بالمواريث والقيم الفاضلة المستقرة في أعماقنا ثوابت عاصمة لنا فيما نقول ونعمل ، لاستكمال بناء الدولة العصرية التي نتطلع إليها ، و نطمح.

ندعو الله العلي القدير أن يعيننا على أداء الأمانة ، و أن يكتب لنا السلامة في الرأي ، و يجمع كلمتنا على الحق ، و يسدد مقاصدنا وخطانا فيما يعود على كويتنا الحبيبة ، وأهلها المخلصين الأوفياء بالعزة واليمن والخير الوفير.


English French