• كلمة حضرة صاحب السمو أمير البلاد الى إخوانه و أبنائه المواطنين في 29 ديسمبر 2009
نـص كلمة حضرة صاحب السمو أمير البلاد الى إخوانه و أبنائه
المواطنين في 29 ديسمبر 2009





بسم الله الرحمن الرحيم






"
يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر الا أولوا الألباب"

صدق الله العظيم


الحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات ، نستعينه ونستغفره ونتوب اليه ، و الصلاة والسلام على رسول الله و صحبه الأكرمين ، ومن اهتدى بهديه الى يوم الدين .

لقد علمنا تاريخ الكويت أن أمنها و سيادتها و مكانتها ، وتقدمها يصنعه أبناؤها بجهدهم و عرقهم وتضحياتهم صانوها فاحتضنتهم وعمروها فآوتهم ، ودأبوا جيلاً بعد جيل على الالتزام بقيم أصيلة ، ترسخ المحبة والاحترام وتوثق التلاحم والترابط والتكاتف بينهم من أجل أمهم الكويت و رفعة شأنها .

إن أمن الكويت واستقرارها غــاية الغـايـات ، و مركز القوة الحقيقية في الدفاع عنها يكمن في نفوسنا نحن أهل الكويت ، و واجبنا دائماً أن نترجم شعار الولاء للوطن الى سلوك ملموس ، و أن نكون جميعاً على رؤية واحـدة في تجسيد مفهوم عملي واضح للوحدة الوطنية يحفظهـا ويصونها ، و يحرم المساس بها .

إخواني وأخواتي ،،،

إني و من منطلق المسؤولية الغالية الملقاة على عاتقي ، أؤكد ما طالما أفضت فيه وأسهبت من إننا في صلب عالم سريع الايقـاع بتبعاته وارتداداته علينـا وعلى المنطقة بأسرها ، و بأننا في مرحلة مصيرية تمتزج فيها الأصــالة مع الحداثة في تحديد المشروع من المطالب والمطامح وبلوغ المستهدف من الغـــايات والمقـاصد ، و هو ما يحتم ويقضي بأن نكون على مستوى المسؤولية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية على اختلافها  ، وأمام ذلك نتساءل هل بات مقبـولاً أن نرى من الممارسـات ، و نسمع من العبارات ، ما يمس ثوابتنـا الوطنية ويسيء الى نسيجنا الاجتمـــاعي ومكوناته ... هل أصبح التهديد والتشكيك ، والشحن والإثارة ، و تعبئة الجمـاهير ، واستخدام الأســاليب الغريبة ، و انتهاج الفوضى والانفلات بديلاً للاحتكام للقــانون وتأكيد سلطته والحفاظ على هيبته ... أليس غريباً أن تجهض الانجـازات ، وتفوت الفرص ، و يهدر الوقت ، و تضيع الجهود في أمور عقيمة لا طائل منها ، ونحن بأمس الحاجة الى توجيه ما نملك من طاقات وقدرات نحو تحقيق المشروعات التنموية المستهدفة .

إن للممارسات الديمقراطية أصولها ، وحدودها ، وأدواتها الدستورية ، التي تمارس من خلالها في الزمان والمكان المحدد لها ، فإن خرجت عن زمانهـا ومكانهـا وإطارهـا الدستوري فإنها تتحول الى فوضى وتمرد على الأسس والقواعد والأعراف والتقـاليد الاجتماعية ، و دستورنـا الذي ارتضيناه جاء على نحو من الشمولية والانفتاح والتكامل ، يتسع للتعبير عن مختلف الآراء والطروحات ، غنياً بالأحكام التي تكفل انضباط كافة الممارسات النيابية الصحيحة ، و تصل بها الى غاياتها في تحقيق المصلحة العامة .

و إننا في هذا البلد نؤمن ايماناً راسخاً بالمبادئ الدستورية التي يجب أن تستقر وتعمق الممارسة السليمة التي تكون من خلال الأدوات الدستورية ، و تحت قبة مجلس الأمة ، وليس من خلال تأجيج المشاعر واستخدام أساليب الاثارة والتحريض والتشكيك عبر الخطب و وسائل الإعلام المختلفة  ، وفي هذا الصدد فإنه من دواعي الأسف أن يستمر البعض بترديد الإدعاء بتوجهات للتعدي على الدستور والتجاوز عليه وغيرها من طروحات التشكيك ، و خلط الأمور، سعياً لتحقيق مكاسب سياسية رخيصة .

إن إيماننا راسخ بالديمقراطية ، وكذلك التزامنا وتمسكنا بالدستور وأحكامه ، بما لا يسمح بأي مزايدات مرفوضة بهذا الشأن ، و هنا ينبغي التأكيد بأن لا أحد يملك الوصاية على الدستور وكلنا يعلم بأن أحكام الدستور قد نظمت آليات وإجراءات تعديله ، ولعل دعاة هذه الشائعات والشكوك هم أكثر من ينتهك أحكام الدستور ، و يخالف مبادئه ونصوصه.

إخواني وأخواتي ،،،

لقد هالني وأحزنني أن تشهد الساحة الكويتية مثل هذه الأجواء القاتمة ، و ما انطوت عليه من مظاهر و ممارسات ، وأصداء انفعالية غير محسوبة التداعيات ، والعواقب مشحونة بالنزعات والنعرات المقيتة بما تحمله من بذور الفتنة التي تهدد ركائز ومقومات مجتمعنا في أمنه واستقراره ومجمل مناحي حياته ، وتهدد بالخطر الشديد أعز ما نملك من مكتسباتنا وثوابتنا الوطنية التي كرسها أبناء هذه الأرض الخيرة بصدق عزيمتهم ، ونقاء فزعتهم عبر تاريخهم المشرف  ، وأمام ذلك ، أصارحكم القول وبكل الأسى والألم إن ما ابتليت به الساحة الكويتية مؤخراً من ممارسات مؤسفة تجاوزت كل الحدود في تشويه وجه الحرية والديمقراطية، والعمل الوطني في دولة الكويت ، لتفتح بـاب الفوضى والانفـلات ، وتشيع أجواء التوتر والتنــاحر واستفزاز المشاعر ، والانشغال بالمماحكات والمزايدات ، والاستعراضات المشبوهة التي أثارت قلق المواطنين وهواجسهم تجاه مستقبل وطنهم وأبنائهم ، وإذا كان من الإنصاف التنويه بالإجراءات التي بادرت الحكومة الى اتخاذها في التعـــامل الجاد مع مجريات الأحداث الأخيرة ، و احتواء أسباب فتنة بغيضة ، بالعمل على فرض حكم القـــانون بما يحقق العدالـة ، و يعلي صوت القــانون ، ويوطد دعـائم دولة القانون والمؤسسات بالممارسات قولاً و فعلاً ، الأمر الذي يستوجب من الجميع أن يتوقف عن الخوض في هذا الموضوع وتداعياته ، بعد أن بات الأمر برمته في يد قضائنا العادل .

إخواني وأخواتي ،،،

إن أشرف الشرف هو صدق الانتماء لهذه الأرض الطاهرة ، فهو ميزان تفاضلنا ، و رسالتنا السامية في ترسيخ وحدتنا الوطنية وإذكاء روحها وتأصيل مفهومهـا ، فهي حق الوطن في أعناقنا ، و قدرنا المشترك الذي عاهدنا الله على الذود عنه وحمايته من شرور المصالح الشخصية ، والمكاسب السياسية ، و مهالك العصبية والقبلية والطائفية وحسراتها ، و هو ما يدعو الى المزيد من التآخي والايثار ، والتفاني والحس الواعي في ترسيخ هذه الوحدة وإعلائها فوق كل اعتبار ، لتبقى سر المجد والاقتدار لشعب مؤمن بلحمته و ارادته الجامعة في صنع حياة حرة كريمة على تراب وطن آمن ، حافل بأسباب التقدم والارتقاء ، فجعلت من أبنائه أسرة واحدة في السراء والضراء ، حاضنة مختلف المشارب ، ملتقية على كلمة سواء وهدف لا يحيد عن تقديم المصلحة الوطنية على ما عداها ، و ستبقى هذه الوحدة بعون الله أقوى وأكبر بكثير من أن ينال منها أي تصرف شاذ هنا أو هناك ، كما ستبقى الصخرة المنيعة الكفيلة بتفويت أي فرصة للعبث والتخريب على أي مستوى وفي أي مجال.

إخواني وأخواتي ،،،

إذا كنا نفخر بالديمقراطية وأجواء الحرية التي ننعم بها ، فينبغي أن ندرك بأنها أداة تستوجب المصلحة الوطنية أن نحسن استخدامها لكي تتحقق غاياتها السامية ، و أن نعمل جميعاً على تحصينها من الممارسات المسيئة ، و حمـايتها من العبث والتشويه ، حتى لا تعم الفوضى ،  و يتفشى الانفلات ،  وينجح البعض في تحويل هذه النعمة الطيبة الى عبء و وبال علينا.

 إن النهج الديمقراطي الذي ارتضيناه منظومة قيم حية تكرس جوهر المواطنة الصالحة والحقة في جميع ممارساتنا ، وهي التي تؤلف وتجمع ، ولا تشتت و تفرق ، وهي الممارسة الايجابية الواعية للواجبات قبل الحقوق، وهي في تنزيه حواراتنا عن التشكيك والأحقاد والضغائن ، فليس من الديمقراطية والحرية ما يسمح بالتعدي على قيمنا وثوابتنا الوطنية ، أو بالتطاول والتجريح للآخرين والحط من كرامتهم ، كما هو ليس من الديمقراطية والحرية بشيء أن يتم انتهاك وتجاوز الدستور والقانون باسم الدستور والقانون.

 إن ما أخشاه اليوم ، أن تتعرض الممارسة الديمقراطية لخطر انتكاسة مفصلية بفعل الافراط في تسييس الأمور والخروج على الضوابط التي رسمهــا الدستور ، لا سيما إن حالة الخلل السياسي ، والعلاقة غير الصحيحة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية أصبحت حملا ثقيلا يقوض المكتسبات والانجازات،  ويمس الثوابت الوطنية  ، وهو ما يحمل المجلس والحكومة معاً مسؤولية التوصل الى تأمين مقومات راسخة تكفل بناء شراكة حقيقية ، وتعاون إيجابي بين السلطتين ، التزاماً بالأطر الدستورية وحدودها الفاصلة بين السلطات ، والاحتكام الى قرار الحوار الراقي الرصين القائم على سعة الأفق ، و رحابة الصدر ، والحرص على المصلحة العامة في النقاش واحترام الرأي الآخر.

إخواني وأخواتي ،،،

إن إنجازاتنا الديمقراطية لا تتكامل عبر مسيرتنا الوطنية إلا بدور إيجابي مسؤول تتولاه وسائل إعلامنا المقروءة والمرئية والمسموعة، و إن الالتزام بالمعايير المهنية السليمة ضروري في الأداء الإعلامي الواعي الحر المسؤول ، لأن إعلامنا جزء أساسي من نظامنا الديمقراطي  ، و إذا كنا ننتقد بعض الممارسات والاجتهادات الإعلامية غير المسؤولة ، والتي لا يجوز التهاون إزاءها ، فلأننا لا نريد لإعلامنا الانحراف عن رسالته الوطنية السامية فيما يهدد الوحدة الوطنية ، والأمن الاجتماعي ، و يعكر صفو العلاقات الخارجية ليكون دائماً مشعلاً حضارياً مشهوداً للمعرفة في دقته وحياده وإنصافه ، و أداة إيجابية فعالة في دعم جهود البناء والتنمية ، و منبراً للحرية المسؤولة والرأي العام المستنير .

إخواني وأخواتي ،،،

إن أقدار الأوطان ومقدراتها أغلى من أن تختلط بها وتخالطها مصالح ضيقة زائلة ، فالأوطان لا تبنى ولا تصان إلا بسواعد أهلها وتكاتفهم وتعاضدهم ، وقد أدى أهلنا الأمانة كاملة واستودعونا شرف الرسالة.

إننا نعيش في واحة وارفة الظلال ، ينعم فيها أهلهــا بخير وفير ، ومناخ عامر بالأمن والطمأنينة ، مفعم بروح التآخي والتواصل نتنفس فيها أجواء الحرية والديمقراطية ، وهي نعم وفضائل تستوجب الحمد والشكر والثناء لله ، و قد قال تعالى في كتابه الكريم "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإن الله سميع عليم " . صدق الله العظيم

إن علينا أن نعي وندرك مخاطر الفتنة البغيضة التي لا يجدي معها حلاً أو علاجاً ، ولن يكون فيها رابح فالخاسر فيها دائماً هو الوطن ، والذي يدفع الثمن هو الجميع  ، ولعل خير شاهد على ذلك ما تعرضت له مجتمعات ودول من شرور وتداعيات الفتن ، وما ترتب عليها من انشقاق وعداوات طالت أبناء البيت الواحد أتت على مقدراتهـــا ، وأكلت الأخضر واليابس فيها ، نسأل الله تعالى أن يقينا شرها وخطرها.

 إخواني وأخواتي ،،،

إننا في سفينة واحدة لا بديل في إبحارها إلى مرسى الأمان إلا أن تتصافى الأنفس ، و تتوحد القلوب ، و تتشابك الأيدي ، وتسود مشاعر الألفة والتعاون بروح الأسرة الواحدة.

 إن ثقتي بأبناء وطني كبيرة ، فأحلامنا وأمانينا وتطلعاتنا واحدة ، وطريقنا إلى بلوغ المراد ولاؤنا و وحدتنا و انتماؤنا ، واتقاء الله في وطننا  ... لقد أعطتنا الكويت الكثير ، و ما أغنانا عن ممارسات تلهينا عن الوفاء بما تستحقه من أبنائها الأوفياء المخلصين ، وعلينا أن نزيح عن سبيلنا كل المعوقات ، واضعين مصلحة الكويت وحدها في المقام الأول.

فلنسر على بركة الله صفاً واحداً ،  نعمل بجد وتفان ،  لنهيء لنا ولمن بعدنا مستقبلاً زاهراً نفاخر به ونعتز سائلين المولى القدير أن يتغمد شهداءنا الأبرار برحمته ورضوانه ويسكنهم جنات النعيم ، و يجزيهم خير الجزاء  ..." ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا " ، "وهيء لنا من أمرنا رشدا " ، وأصلح لنا أعمالنا ، و اجعل حاضرنا خيراً من ماضينا ، و مستقبلنا خيراً من حاضرنا ، و أسبغ على هذا البلد أمناً ونعيماً مقيماً .

والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته ،،،

English French