• كلمة حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله و رعاه بمناسبة حل مجلس الأمة - الأربعاء الموافق 18 مارس 2009
نـص كلمة حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح
حفظه الله و رعاه بمناسبة حل مجلس الأمة - الأربعاء الموافق 18 مارس 2009


بسم الله الرحمن الرحيم


 

"وأوفوا بعهد الله اذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا . ان الله يعلم ما تفعلون"

صدق الله العظيم

 

أحمد الله الذي هو على كل شيء رقيب، واصلي واسلم على أشرف رسله، أعظم من أدى الأمانة، وحدد معالم الطريق، فتركنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها الا هالك.

إخواني وأبناء وطني،،،

أتحدث إليكم اليوم حديث القلب، حديث الأب، كما هو حديث المسئول عن مستقبل وطن وشعب، لا ينشد لأبناء وطنه إلا المنعة والقوة والازدهار، والحفاظ على العهد الوطيد الذي يجمع كلمتهم، ويضمن أمنهم ويحفظ استقرارهم، ذلك العهد، هو وحدتهم الوطنية التي تعرفون جميعا أنها إذا انفرط عقدها لا قدر الله، فليس بعدها إلا انهيار بنائهم، وذهاب ريحهم.

إخواني وبني وطني،،،

لقد كان مقتضى النعمة الوافرة التي أكرم الله بها أهل الكويت، يحتم أن يجيء شكرهم عليها ظاهرا وباطنا وأن يكون الحفاظ عليها وحراستها، هو الشغل الشاغل لكل فرد على أرض الكويت الطيبة، هذه الأرض المعطاء التي لم تبخل على احد قط. ولكنني بكل الأسف، أصارحكم كما يصارح الأب أبناءه، بأن بعضا منا، قد غرتهم نعم الله فاعتادوها، وطال عليهم الأمد فقست قلوبهم. وتناسوا أمن سفينة الوطن الغالي التي هي حصن الجميع، وراحوا يتبارون في مماحكات وممارسات محمومة - أيا كانت مقاصدهم - تهدد سلامة الوطن واستقراره ووحدة أبنائه، ويعرضون شعبا بأكمله للخطر الذي ليس وراءه خطر.

ولا شك أنكم أيها الأخوة، تابعتم مثلي بكل استياء وألم ما تشهده الساحة البرلمانية من ممارسات مؤسفة شوهت وجه الحرية والديمقراطية الكويتية، وهي ميراث صنعه الآباء والأجداد، وسيبقى موضع اعتزاز وفخر لنا جميعاً، ولم يعد خافيا أيها الإخوة أن تلك الممارسات قد أفسدت التعاون المأمول بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأشاعت أجواء التوتر والتناحر والفوضى بما أدى الى تعثر مسيرة العمل الوطني في البلاد وامتدت طويلاً، وامتد معهـــا صبر المواطنـــين بلا جدوى.

أقول ذلك بكل الحزن والأسف، بعد ان تجاوزت هذه الممارسات كل الحدود وأضحت سبيلا الى استفزاز مشاعر الناس وتحريضهم، وسببا في إذكاء رماد الفتنة البغضاء، لعن الله من يوقظها.

إخواني وأبناء وطني الكرام،،،

لقد تلمست خلال لقاءاتي المتعددة مع المواطنين في مختلف مناطق البلاد، مشاعر القلق والاستياء، والتي باتت تقض مضاجعهم وتؤرقهم، فكلنا يدرك ما آلت إليه الأمور من تداعيات جراء الخلل المتفاقم الذي يشوب العمل البرلماني، بما انطوى عليه من انتهاك للدستور وللقانون، وتجاوز لحدود السلطات الأخرى، وتدني لغة الحوار على نحو غير مسبوق، وانتهاج سبل التعسف والتشكيك والتصيد والقدح بذمم الناس وأخلاقهم وممارسة المزايدات والاستعراضات المشبوهة على مختلف المنابر والتجمعات، واستغلال وسائل الإعلام لإثارة الجماهير وشحنهم، وشق الصف تحقيقاً لغايات قصيرة ضيقة ، على حساب مصلحة الوطن.

ولعلكم أيها الإخوة تابعتم وتتابعون طبيعة وظروف وملابسات استخدام الاستجوابات والتهديد بتقديمها تحت مختلف الحجج والذرائع، وما انطوى عليه ذلك من خروج عن المقاصد السامية التي استهدفها الدستور وانصراف عما ينتظره المواطنون من انجازات حقيقية تلبي حاجاتهم الفعلية ومعالجة قضاياهم المهمة.

وبعيدا عن الاعتبارات الدستورية والقانونية المتعلقة بتلك الاستجوابات ومدى انطباق الضوابط القانونية بشأنها، فهل من المستغرب ان يتساءل المواطن عن طبيعة تلك الاستجوابات والممارسات وغاياتها الحقيقية وعما اذا كانت تصب فعليا في مصلحة الوطن؟!وعما اذا كانت تحقق أهداف من شرعها؟!.

ألم تكن مناسبة الاحتفالات بأعياد الوطن وزوال الاحتلال الآثم، وتذكر نعمة التحرير والاستقلال كافية لنتذكر حاجتنا لأن نكرس وحدتنا الجامعة ونحافظ على أمن بلدنا ونشحذ الهمم لبنائه ونمائه؟!.

إخواني و أبنائي،،،

لاشك بأن هناك بعض أوجه القصور في أداء الأجهزة الحكومية بما يستوجب العمل الجاد من اجل الارتقاء بأداء الجهاز الحكومي والعمل على تسريع انجاز المشاريع التنموية والاستجابة لتطلعات المواطنين وضمان مستقبل أجيالهم القادمة في وطن آمن مزدهر، ولكن هل يمكن ان يتحقق الانجاز المطلوب في ظل أجواء مشحونة بغيوم الشد والتوتر والتعسف والتشكيك والترهيب؟!.

إن ممارسة النائب لحقوقه الدستورية في استخدام أدوات الرقابة البرلمانية حق لا جدال حوله، بل هي ممارسة رقابية محمودة، ما دامت في إطارها الصحيح، بما في ذلك توجيه الاستجوابات، ولكن كل حق مهما كان نوعه له شروط وضوابط لا يجوز إغفالها أو القفز عنها، ولعل أهمها أن يكون منضبطاً بإطـــاره القانوني السليــم، وملتزماً بروح المسؤولية ومحققاً لغاية وطنية، وبعيدا عن الكيدية والشخصانية وإلا صار الحق أشبه بالباطل.

إن الله سبحانه وتعالى هدانا إلى دستور ارتضيناه جميعاً، واستقيناه من تعاليم ديننا الحنيف وشريعتنا السمحاء، وهل هناك اسمي من شرعة الله في تنظيم الحقوق والواجبات وصون مصلحة الوطن والمواطنين فدستورنا في حقيقته منظومة قواعد قانونية لم تأت مضامينها جزافا وعلى إطلاقها لتفتح باب الفوضى والعبث وهدر الوقت والجهد دون طائل، وإنما جاءت لتكفل الممارسة الديمقراطية الواعية السليمة، التي ينبغي أن ندرك بأنهــــا على أهميتهـــا فهي أداة وليست هدفـــا بحد ذاتها ، وان نحرص على أن تكون سبيلا متقدما في الممارسة السياسية بكافة سلطات الدولة وحصنا حصينا للوحدة الوطنية ومشعلا يضيء طريق التقدم والرقي لأبناء هذه الأرض الطيبة.

وهل يليق أن تتحول قبة البرلمان إلى ساحة للجدل العقيم والخلافات وافتعال الأزمات؟ !، تعج بها الممارسات الشخصانية وعبارات التشكيك والإهانة بين أبناء المجتمع الواحد، خروجاً عما ألفه أهله وما جبلوا عليه من قيم فاضلة قوامها الاحترام والتقدير ؟! وهي المنبر القدوة الذي تلتقي به آمــــال الشعـــب ومحط أنظاره والذي يتشرب منه أبناؤنا القيم الديمقراطية وتبادل الحوار المسئول وقبول الرأي الأخر.

إن ما آل إليه الوضع أيهـــا الإخوة من تراجع وترد في الممارسة الديمقراطية وما ترتب على ذلك من تداعيــــات باتت تمس ركـــائز ومقومات امن مجتمعنا واستقراره، يجعلوني استشعر الخطر.. نعم بكل أمانة أقول لكم إنني استشعر الخطر كل الخطر، ولا سيما أن مناخا مضطربا بل متفجرا يضرب الواقع الإقليمي والدولي في شتى صوره الأمنية والسياسية والاقتصادية جميعا، ولاشك أن هذا الوضع المعقد يحتم علي باعتباري أبا محبا مخلصا لجميع أبناء هذا الوطن، وقائدا مسئولاً عن شعب بأكمله أن أرجع إليكم وانتم أهلي وعزوتي.

إنني معكم دائماً، ولم أكن يوماً بعيداً عن تلمس هواجسكم وتفهم ضجركم وطول صبركم، وانتظاركم للأمل في إصلاح العـــلاقة بين السلطتين التشريعيــــة والتنفيذية، والارتقاء بأدائهما للمستوى المنشود، ووجهت رسائل واضحة لأصحاب الشأن، آملا الاستجابة للنصح تجنبا لما ابغض واكره وقد فاض الكيل.

وأجد لزاماً علي هنا أيها الإخوة أن أتوجه بعتاب كبير، هو عتاب الأب وهو عتاب ولي الأمر إلى مؤسساتنا الإعلامية بوسائلها المختلفة، التي طالما حملنا لها كل الاحترام والرعاية، وعولنا على دورها الايجــــابي في التنوير والتوحيـــد والتنميـــــة، حيث تم استغلال بعضها كمعاول هدم لمجتمعنا ولثوابتنا الوطنية.

وإني على ثقة في ان روح المسؤولية الوطنية لدى المخلصين من رجال الإعلام كفيلة بادراك خطورة الاستمرار في النهج الحالي، واتخاذ وقفة تصحيحية جادة تجسد الحرص على الالـــتزام بهذه المهمة المـــقدسة التي هي مهمــــة الشرفاء وحدهم، ويعملوا على تكريس الحرية المسئولة حتى لا يكون الندم حين لا ينفع الندم.

إخواني وبني وطني،،،

يعلم الله أن القرار الذي اتخذته اليوم لم يكن يسيراً على قلبي، بل هو قرار حتمي تمليه علي أمانة المسؤولية، حيث أصبح اللجوء إلى الخيار امرأ ملحا وعاجلا ومن الأمور التي تستوجبها المصلحة الوطنية وهو أن الجأ إلى حل مجلس الأمة، وفقا لأحكام المادة (107) من الدستور، ودعوة الشعب الكويتي الى انتخاب مجلس نيابي جديد، ينهض بمسؤولياته الجسام في صيانة امن الوطن وسيادته، ويتحمل مسؤولية التطوير والتنميـــــة في روح من التعاون الواعـــي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فذلك هو حجر الزاوية في نماء كل وطن، وهو مركز الانطلاق الى كل هدف.

إننا في هذا البلد ننعم بنهر كريم من العطاء المتدفق من الحرية والديمقراطية والألفة، وقد حبانا الله من نعمه وأفضاله الشيء الكثير، وهي نعم تستوجب الحمد والشكر ويحسدنا الكثيرون عليها، ولن نسمح لكائن من كان أن يدنس هذا النهر ويلوثه، وما أحرانا كلنا أبناء الكويت بان نحكم دائرة السياج لحماية هذه النعم العظيمة، وان تلتقي قلوبنا وتلتف سواعدنا لنكون جميعا درعاً حصيناً لوطننا ومكتسباتنا وثوابتنا الوطنية فكويتنا الغالية تستحق ذلك وأكثر.

واذ نؤكد إيماننا المطلق الراسخ وتمسكنا بالنهج الديمقراطي الذي تعاهدنا عليه، فان علينا جميعا أن نتفهم ونعي دواعي بعض المطالبات المتطرفة التي عبر عنها الكثيرون مؤخرا إزاء الممارسات النيابية السلبية والتي عكست حالة الرفض والإحباط التي يشعر بها المواطن.

وليعلم الجميع أنني ومن منطلق أمانة المسؤولية الوطنية التي احملها، وهي أمانة وطن وشعب لن أتردد في اتخاذ اي خطوة في صيانة امن الوطن واستقراره والحفاظ على مصالحه وحماية ثوابته ومكتسباته فليس هناك اكبر واهم واغلي من الكويت وأهلها الأوفياء.

إخواني وبني وطني ،،،

أتوجه إليكم أن تعينوني بقوة ... وإنني على ثقة تامة بأنكم حريصون على ممارسة واجبكم الوطني المسئول في حسن اختيــار من يمثلكم في صون مصلحة الكويت حاضراً ومستقبلاً، وتحقيق تطلعاتكم في وطن آمن مستـقر مزدهر ... فالكويت هي أمنا الحنون، وانتم أهلها وأحق بها ... فعضوا عليها بالنواجذ وتوحـدوا حولها ، وتجردوا من الذاتية الضيقة ، والعصبية البغيضة.

فالكويت العزيزة تستحق أن نفديها بكل غال من روحنا ودمنا، ومن عزمنا وإرادتنا، وان نتجاوز من اجلها المصالح الضيقة ... والكويت هي يومنا ، وهي أمسنا ، وهي مستقبلنا المعمور بالأمـل بإذن الله.

فليحفظ الله الكويت من كل مكروه ، ويديم عليها نعمة الأمن والأمان، وليعين أهلها المخلصين على النهوض بأحلامها الكبيرة لتعتلي مكانتهـا المستحقة .... سائلين المولى القدير ان يتغمد بمغفرته ، وواسع رحمته شهداء الكويت الأبرار ، ويسكنهم فسيح جناته.

 

"اللهم انا نسألك العدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وان تهبنا نورا نمشي به في الناس".

 

"ربنا هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا".

صدق الله العظيم

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

 

English French