• كلمة حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله ورعاه في الاجتماع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك حول حوار الأديان يومي 12 و 13 نوفمبر 2008م
نـص كلمة حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح
حفظه الله ورعاه في الاجتماع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة

في نيويورك حول حوار الأديان يومي 12 و 13 نوفمبر 2008م


بسم الله الرحمن الرحيم


السيد الرئيس،،،

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،،،

السادة والسيدات رؤساء وأعضاء الوفود،،،


أُحييكم تحيةَ الاسلام، السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته، وأحمدُ اللهَ أَننا جميعاً في هذه القاعة جئنا لتعزيز السلام والخير للبشرية، والسعي لتقوية التواصل بيننا عبر الحوار والتفاهم، والتركيز على ما يجمعنا من قيم وأواصر، ونبذ ما يفرقنا من هواجس وظنون.

السيد الرئيس ،،،


أتقدم إليكم بالتهنئة لترؤسكم لهذا الاجتماع رفيع المستوى، متمنياً لكم التوفيق في مداولاته، كما أنه من دواعي سروري أن أخص بالشكر أخي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية الشقيقة، صاحب المبادرة والدعوة لعقد هذا الاجتماع عالي المستوى، في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي أنشأت أساساً لاحتضان الحوار وترسيخه، كمبدأ ثابت في العلاقات الدولية في السعي لتحقيق السلام، ومدِ جسورَ التعاونِ والتواصلِ بين الأمم والشعوب.

فله منا كل الشكر والتقدير لجهوده الخيرة والمتواصلة في هذا المجال، متمنين له التوفيق الدائم في مساعيه التي نؤيدها تماماً، كما نُثمن النتائجَ الطيبةَ للمؤتمر العالمي للحوار، والذي عقد في شهر يوليو الماضي في إسبانيا برعايةٍ وجهدٍ كريمين من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود وجلالة الملك خوان كارلوس ملك إسبانيا.

السيد الرئيس،،،


لا يفوتني أن اشكر معالي الأمين العام للأمم المتحدة وأجهزتها المتخصصة في تبنى الأهداف السامية للحوار، وتأصيل ثقافة السلام بين الشعوب، ووضع البرامج ورسم الطريق لخلق عالم ينبذ التعصب، ويقوي الوسطية، يصهر الأعراق، ويذيب الفوارق، يزيل الحواجز، ويفتح الآفاق، يعظم القواسم المشتركة بين الشعوب، ويزيل العوائق عن طريق التعاون.

السيد الرئيس،،،


إن عالَمنا اليوم، يمرُ بظروفٍ عصيبةٍ تَعاظمتْ فيها المشاكلُ، وتنوعت، تَعقدتْ فيها الحلولُ وتعسرتْ، اختلط فيها العجزُ عن حل القضايا السياسية في مناطق عديدةٍ من العالم، فظهرتْ صراعاتٌ وحروبٌ أهلية جديدة تشابكت فيها الأزمات الاقتصادية الملحة، مع الكوارث الطبيعية المهلكة، برزت ظواهرُ جديدة وتعاظمتْ كظاهرةِ الإرهابِ، والمخدراتِ، والتمييزِ، تَفشتْ روحُ العصبيةِ والكراهيةِ، وتَأَجَجَتْ مشاعرُ البغضِ والعزلِ بين معتنقي الأديان والثقافات والاتجاهات السياسية، ووجِهتْ أعنفُ الاتهاماتِ والتجريحِ لرموزها ومبادئها وقيمها.

لقد هزت هذه الظواهرُ كلها، ومع مزيد من الأسفِ أُسس الاستقرارِ العالمي، الأمرُ الذي يتوجبُ علينا نحنُ كقادةٍ وشعوبٍ أن نتحملْ مسئولياتنا التاريخية، في التمعنِ في واقعنا المؤلم، وذلك من خلال الحوارِ الجادِ والصادقِ بيننا كشعوبٍ ودياناتٍ وثقافات ، وأن نركز جُهدنا على تأصيل القيّمِ الدينية والأخلاقية الصافيـة والمبادئ العادلة المشتركة، التي تنادي بها جميع الأديان، وتنطلق منها جميع الثقافات، وأن تكونَ نقطةَ التقاءٍ بيننا، تجمعنا على الخيرِ وتوفر لنا أساساً وعاملاً مشتركاً من التعاون والسلام.

إننا مطالبون اليومَ وأكثر من أي وقت مضى، بتحويلِ ثقافةِ العالم من ثقافة كُرهٍ وتعصبٍ وحربٍ الى ثقافةِ حوارٍ وتعايشٍ وجوداً وفكراً.

إن سبيلنا لذلك هو الايجابية في التعاملِ والتفاعلِ بعضاً مع بعـض، دون عُقَدِ او خوفٍ، منطلقين من حقيقةِ أننا جميعا مُؤتَمنونَ على مُقدراتِ البشريةِ وتنميتها لصالحِ الإنسان.

السيد الرئيس،،،


لعل البداية الضروريةَ للسلوكِ في هذا الطريق تأتي من خلال الحوارِ بين قادةِ الفكرِ من إتباع الأديانِ السماوية والمعتقدات الأخرى ، والذي أصبح الآن جزءاً من المشهدِ السياسي، فالأمم المتحدة مثلاً ساهمتْ في خلقِ الأجواءِ المناسبةِ لذلك، فأصدرت الجمعيةُ العامة للأمم المتحدة قرارها باعتبار عام 2001 عاماً للحوار بين الحضارات، ومواجهة حملاتِ الكراهية، وتأجيجِ الصراع، كما أن الأمم المتحدة أصدرت قراراً آخر باعتبار عام 2010 عام التقارب بين الثقافات.

السيد الرئيس،،،


إن التحليلَ السليمَ لأسبابِ المآسي التي مَرتْ بها البشريةُ لم يكنْ بأي حالٍ من الأحوالِ بسببِ المعتقداتِ الدينية، أو القيم الثقافية، إنما كان بسبب نهج التطرف والتعصب والتمييز، الذي أُبَتلى به بعضُ أتباع الأديان السماوية والمعتقدات الأخرى.

إن الأديانِ السماويةِ في جوهرها ونهجها، وتعاليمها تُقدم الحلولَ للمشاكلِ التي تواجهُ البشرية، وليستْ هي بأي حالٍ من الأحوالِ سبباً في تلكَ المشاكل، وبالتالي فعلى رجالِ الدينِ والمثقفين من كلِ الدياناتِ مسئولياتٍ في إبرازِ تلك الحقائق، والمساعدة على تصحيح المفاهيم الخاطئة في أذهان المنتسبين لتلك العقائد، كما أن على رجال الفكر، والتعليم والتربية خلق وعي لدى الناشئة وصقلهم لاحترام المعتقدات السماوية، وزرع روح وسطية، وقيم التسامح، والتفاعل الايجابي بين مختلف الأديان والعقائد ، وعلى وسائل الإعلام والتي تشكل الفكر وتغذي العقول أن تكون ايجابية في تناولها لمثلِ هذه المواضيع، مدركةً في تأثيرها على تشكيل الرأي المنصف والمستنير، مؤمنة بترابط البشرية ووحدتها.

السيد الرئيس،،،


لا يخفى علينا جميعا كقادةٍ وشعوبٍ مسئولياتنا التاريخية في محاربةِ التطرفِ والتمييزِ، وبثِ نهج الوسطية والاعتدال، والابتعاد عن الغلو إن هذه المهمةِ ليستْ بكلِ تأكيدٍ بالمهمةِ السهلة، لكنها مهمةٌ ضرورية، ولنا نحن في الكويت مساهماتٍ ومجهوداتٍ متعددةٍ وبرامجٍ كثيرةٍ في هذا المجال، فقد أنشأت الكويت مركزاً عالمياً للوسطية، عقد عدة مؤتمراتٍ فكريةٍ منها مؤتمرٌ دوليٌ في لندن، وآخر في واشنطن خلال العامين الماضيين، كما قامت الأجهزةُ الحكوميةُ المختصة بإعداد برامجٍ وندواتٍ موجهةٍ لكل شرائح المجتمع، أسهمت في خلقْ الوعي الوسطى لدى الناس، كما عقدت الكويتُ، ورعت العديدَ من المؤتمراتِ والندواتِ الإقليميةِ والدوليةِ حول نهج الوسطية في الاسلام، وزرعِ منهج التسامحِ الديني بين الشعوب، واحترامِ معتقدات إتباع الديانات السماوية، وحفظِ مكانتها ورفض الإساءةِ لرموزها، والوقوفِ ضدَ استخدامِ المعتقداتِ الدينية للتميز بين أفراد المجتمع، واحترام خصوصياتِ الشعوبِ وحقها في المساواة والعيش المشترك.

إن كلَ ذلك هو الأصلُ في العلاقةِ بين البشر، كما أن تحقيقها هي الغاية الكبرى في كلِ الدياناتِ والثقافاتِ.

السيد الرئيس،،،


إن أبلغ نتيجةً لتجمعنا الخَيِّرِ هذا، وفي هذه القاعة هو أن يصدر عنه تعهداً عالمياً باحترام الأديان، وعدم المساسِ أو التعرض، أو التهكم على رموزِ تلك الأديان، وردع مرتكبي تلك الأفعال، والداعين لها، كما أن علينا التعهد بالالتزامِ بمنعِ الحملاتِ التي تسعى لتعميق الخلاف بين الأديان، وتقويضِ فُرصِ التعايش بين البشر.

وأن نلتزمَ ونشجعَ ونُمَوِّلَ البرامجَ التي تعمل على نشر ثقافةِ التسامحِ والتفاهم عبر الحوار، لتكون إطاراً للعلاقات الدولية، وذلك من خلال المؤتمراتِ والندواتِ وتطويرِ البرامجِ الثقافيةِ والتربويةِ والإعلاميةِ لتحقيق تلك الأهداف.

السيد الرئيس،،،


إن خيرَ ما أَختتمُ به كلمتي أمام جمعكم الكريم هو، قول الله سبحانه وتعالى في كتابهِ الكريم :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

" يا أيها الناسُ إنا خلقناكمْ من ذكرٍ وأنثى وجعلناكمْ شُعوباً وقَبائلَ لِتعارفوا إن أَكرَمْكمْ عِنْدِ اللهِ اتقاكم "


صدق الله العظيم


هذا هو نهجنا، وهذه هي غَايتُنا وطُموحنا، هذه هي رسالتُنا الى العالمِ كُله...



والسلام عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته،،،،

 

English French